وأما يحيى بن زكريا عليهما السلام
فإنه أوتي الحكم صبيا ، وكان يبكي من غير ذنب ، ويواصل الصيام ، وقد أعطى الله نبينا صلّى الله عليه وسلم أفضل من هذا ، فإن يحيى لم يكن فِي قوم يعبدون الأوثان والأصنام من دون الله ، ولا كان فِي عصر الجاهلية ، بل كان فِي بني إسرائيل أهل الكتاب ، وبيت النبوة ، ومحمد صلّى الله عليه وسلم كان فِي عصر الجاهلية ، ما جاءهم قبله من نذير ، يعبدون الأوثان والأصنام والطواغيت ، فأوتي من بينهم الفهم والحكم صبيا بين حزب الشيطان وعبدة الأوثان ، فلم يرغب لهم فِي صنم قط ، ولا شهد معهم عيدا ، ولم يسمع منه كذب قط ، وكانوا يعدونه صدوقا أمينا حليما رءوفا ، وكان يواصل الأسبوع صوما ويقول: إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ، وكان يبكي حتى يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل ، وقد أثنى الله تعالى على يحيى فقال:
وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا من الصَّالِحِينَ 3: 39 [1] ، والحصور الّذي لا يأتي النساء ، وذلك أن يحيى كان نبيا ولم يكن مبعوثا إلى قومه ، وكان منفردا [بمراعاة] [2] ، ونبينا صلّى الله عليه وسلم كان رسولا إلى كافة الناس ليقودهم [ويقربهم] [3] إلى الله تعالى ، قولا وفعلا ، [فأقام] [4] الله تعالى به الأحوال المختلفة ، والمقامات الغالبة المتفاوتة فِي تصرفاته ، ليقتدي الخلق كلهم بأفعاله وأوصافه.
فاقتدى به الصديقون فِي حالاتهم ، والشهداء فِي مراتبهم ، والصالحون فِي اختلاف أحوالهم ، ليأخذ العالي والداني والمتوسط من أفعاله قسطا وحظا ، إذ النكاح من أعظم حظوظ النفس وأبلغ الشهوات ، فأمر به صلّى الله عليه وسلم وحث عليه لما جبل الله تعالى عليه النفوس البشرية من توقان النفس وهيج الشهوة المطبوع عليها النفس.
وأباح ذلك ليتحصّنوا به من السفاح ، فشاركوه صلّى الله عليه وسلم فِي ظاهره ، وشملهم الاسم معه ، وانفرد صلّى الله عليه وسلم عن مساواته معهم ، فقال: تزوجوا فإنّي مكاثر بكم الأمم ، فإذا غلب عليه وعلى قلبه ما أفرده ألحق به من قوله: وجعلت قرة عيني
[1] آل عمران: 39.
[2] زيادة للسياق.
[3] هذه الكلمة غير واضحة فِي (خ) ، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[4] هذه الكلمة غير واضحة فِي (خ) ، ولعل الصواب ما أثبتناه.