أَمْرًا اخْتِيَارِيًّا لَا وَصْفًا اضْطِرَارِيًّا ، فَهِيَ مَعْرُوضَةٌ أَمَامَهُ يَأْخُذُ مِنْهَا بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهِ وَفِكْرِهِ ، كَمَا هُوَ شَأْنُهُ فِي الْأَخْذِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْ مَنَافِعِ الْكَوْنِ . هَذِهِ هِيَ سُنَّتُهُ - تَعَالَى - فِي الْإِنْسَانِ وَهِيَ مَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ ، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ شَاءَ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ سُنَّتَهُ فِي تَبْلِيغِ الدِّينِ وَعَرْضِهِ عَلَى النَّاسِ هَكَذَا - بِأَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ إِلْهَامَاتِهِمُ الْعَامَّةِ وَشُعُورِهِمُ الْفِطْرِيِّ ، كَشُعُورِ الْحَيَوَانِ وَإِلْهَامِهِ مَا فِيهِ مَنْفَعَتُهُ - لَكَانُوا فِي هِدَايَةِ الدِّينِ سَوَاءٌ ; يَسْعَدُونَ بِهِ أَجْمَعِينَ فَتَمْنَعُهُمْ بَيِّنَاتُهُ أَنْ يَخْتَلِفُوا فَيَقْتَتِلُوا ، وَلَكِنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى غَيْرِ مَا خَلَقَ عَلَيْهِ الْحَيَوَانَ ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ إِيمَانًا صَحِيحًا فَأَخَذَ الدِّينَ عَلَى وَجْهِهِ ; إِذْ فَهِمَهُ حَقَّ فَهْمِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَبِسَهُ مَقْلُوبًا وَحَكَّمَ هَوَاهُ فِي تَأْوِيلِهِ فَكَانَ كَافِرًا بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ -