وإذا كان الموت والحياة بيد الله ، والحياة لا تذهب بالقتال إذا قدر الله لها البقاء ، فكذلك المال لا يذهب بالإنفاق. إنما هو قرض حسن لله ، مضمون عنده ، يضاعفه أضعافاً كثيرة. يضاعفه فِي الدنيا مالاً وبركة وسعادة وراحة ؛ ويضاعفه فِي الآخرة نعيماً ومتاعاً ورضى وقربى من الله.
ومرد الأمر فِي الغنى والفقر إلى الله ، لا إلى حرص وبخل. ولا إلى بذل وإنفاق:
{والله يقبض ويبسط} ..
والمرجع إليه سبحانه فِي نهاية المطاف. فأين يكون المال والناس أنفسهم راجعون بقضهم وقضيضهم إلى الله: {وإليه ترجعون} ..
وإذن فلا فزع من الموت ، ولا خوف من الفقر ، ولا محيد عن الرجعة إلى الله. وإذن فليجاهد المؤمنون فِي سبيل الله ، وليقدموا الأرواح والأموال ؛ وليستقينوا أن أنفاسهم معدودة ، وأن أرزاقهم مقدرة ، وأنه من الخير لهم أن يعيشوا الحياة قوية طليقة شجاعة كريمة. ومردهم بعد ذلك إلى الله..
ولا يفوتني بعد تقرير تلك الإيحاءات الإيمانية التربوية الكريمة التي تضمنتها الآيات.. أن ألم بذلك الجمال الفني فِي الأداء:
{ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؟} .. إن فِي التعبير استعراضاً لهذه الألوف ولهذه الصفوف استعراضاً ترسمه هاتان الكلمتان: {ألم تر؟} .. وأي تعبير آخر ما كان ليرسم أمام المخيلة هذا الاستعراض كما رسمته هاتان الكلمتان العاديتان فِي موضعهما المختار.
ومن مشهد الألوف المؤلفة ، الحذرة من الموت ، المتلفتة من الذعر.. إلى مشهد الموت المطبق فِي لحظة ؛ ومن خلال كلمة: {موتوا} .. كل هذا الحذر ، وكل هذا التجمع ، وكل هذه المحاولة.. كلها ذهبت هباء فِي كلمة واحدة: {موتوا} .. ليلقي ذلك فِي الحس عبث المحاولة ، وضلالة المنهج ؛ كما يلقي صرامة القضاء ، وسرعة الفصل عند الله.