لا أحب أن نذهب فِي تيه التأويلات ، عن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.. من هم؟ وفي أي أرض كانوا؟ وفي أي زمان خرجوا؟ فلو كان الله يريد بياناً عنهم لبين ، كما يجيء القصص المحدد فِي القرآن. إنما هذه عبرة وعظة يراد مغزاها ، ولا تراد أحداثها وأماكنها وأزمانها. وتحديد الأماكن والأزمان لا يزيد هنا شيئاً على عبرة القصة ومغزاها..
إنما يراد هنا تصحيح التصور عن الموت والحياة ، وأسبابهما الظاهرة ، وحقيقتهما المضمرة ؛ ورد الأمر فيهما إلى القدرة المدبرة. والاطمئنان إلى قدر الله فيهما. والمضي فِي حمل التكاليف والواجبات دون هلع ولا جزع ، فالمقدر كائن ، والموت والحياة بيد الله فِي نهاية المطاف..
يراد أن يقال: إن الحذر من الموت لا يجدي ؛ وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة ، ولا يمدان أجلاً ، ولا يردان قضاء ؛ وإن الله هو واهب الحياة ، وهو آخذ الحياة ؛ وإنه متفضل فِي الحالتين: حين يهب ، وحين يسترد ؛ والحكمة الإلهية الكبرى كامنة خلف الهبة وخلف الاسترداد. وإن مصلحة الناس متحققة فِي هذا وذاك ؛ وإن فضل الله عليهم متحقق فِي الأخذ والمنح سواء:
{إن الله لذو فضل على الناس. ولكن أكثر الناس لا يشكرون} .
إن تجمع هؤلاء القوم {وهم ألوف} وخروجهم من ديارهم {حذر الموت} .. لا يكون إلا فِي حالة هلع وجزع ، سواء كان هذا الخروج خوفاً من عدو مهاجم ، أو من وباء حائم.. إن هذا كله لم يغن عنهم من الموت شيئاً:
{فقال لهم الله.. موتوا} ..
كيف قال لهم؟ كيف ماتوا؟ هل ماتوا بسبب مما هربوا منه وفزعوا؟ هل ماتوا بسبب آخر من حيث لم يحتسبوا؟ كل ذلك لم يرد عنه تفصيل ، لأنه ليس موضع العبرة. إنما موضع العبرة أن الفزع والجزع والخروج والحذر ، لم تغير مصيرهم ، ولم تدفع عنهم الموت ، ولم ترد عنهم قضاء الله. وكان الثبات والصبر والتجمل أولى لو رجعوا لله..
{ثم أحياهم} ..