ومن ذلك أن اختبار الحماسة الظاهرة والاندفاع الفائر فِي نفوس الجماعات ينبغي أن لا يقف عند الابتلاء الأول.. فإن كثرة بني إسرائيل هؤلاء قد تولوا بمجرد أن كتب عليهم القتال استجابة لطلبهم. ولم تبق إلا قلة مستمسكة بعهدها مع نبيها. وهم الجنود الذين خرجوا مع طالوت بعد الحجاج والجدال حول جدارته بالملك والقيادة ، ووقوع علامة الله باختياره لهم ، ورجعة تابوتهم وفيه مخلفات أنبيائهم تحمله الملائكة... ! ومع هذا فقط سقطت كثرة هؤلاء الجنود فِي المرحلة الأولى. وضعفوا أمام الامتحان الأول الذي أقامه لهم قائدهم: {فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر: فمن شرب منه فليس مني. ومن لم يطعمه فإنه مني - إلا من اغترف غرفة بيده - فشربوا منه إلا قليلاً منهم} .. وهذا القليل لم يثبت كذلك إلى النهاية. فأمام الهول الحي ، أمام كثرة الأعداء وقوتهم ، تهاوت العزائم وزلزلت القلوب: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} .. وأمام هذا التخاذل ثبتت الفئة القليلة المختارة.
.اعتصمت بالله ووثقت ، وقالت: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} .. وهذه هي التي رجحت الكفة ، وتلقت النصر ، واستحقت العز والتمكين.
وفي ثنايا هذه التجربة تكمن عبرة القيادة الصالحة الحازمة المؤمنة.. وكلها واضحة فِي قيادة طالوت. تبرز منها خبرته بالنفوس ؛ وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة ، وعدم اكتفائه بالتجربة الأولى ، ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة فِي نفوس جنوده قبل المعركة ، وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه.. ثم - وهذا هو الأهم - عدم تخاذله وقد تضاءل جنوده تجربة بعد تجربة ؛ ولم يثبت معه فِي النهاية إلا تلك الفئة المختارة. فخاض بها المعركة ثقة منه بقوة الإيمان الخالص ، ووعد الله الصادق للمؤمنين.