من ذلك.. أن الحماسة الجماعية قد تخدع القادة لو أخذوا بمظهرها. فيجب أن يضعوها على محك التجربة قبل أن يخوضوا بها المعركة الحاسمة.. فقد تقدم الملأ من بني إسرائيل - من ذوي الرأي والمكانة فيهم - إلى نبيهم فِي ذلك الزمان ، يطلبون إليه أن يختار لهم ملكاً يقودهم إلى المعركة مع أعداء دينهم ، الذين سلبوا ملكهم وأموالهم ومعها مخلفات أنبيائهم من آل موسى وآل هارون. فلما أراد نبيهم أن يستوثق من صحة عزيمتهم على القتال ، وقال لهم: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا!} استنكروا عليه هذا القول ، وارتفعت حماستهم إلى الذروة وهم يقولون له: {وما لنا ألا نقاتل فِي سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟} .. ولكن هذه الحماسة البالغة ما لبثت أن انطفأت شعلتها ، وتهاوت على مراحل الطريق كما تذكر القصة ؛ وكما يقول السياق بالإجمال: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم} .. ومع أن لبني إسرائيل طابعاً خاصاً فِي النكول عن العهد ، والنكوص عن الوعد ، والتفرق فِي منتصف الطريق.. إلا أن هذه الظاهرة هي ظاهرة بشرية على كل حال ، فِي الجماعات التي لم تبلغ تربيتها الإيمانية مبلغاً عالياً من التدريب.. وهي خليقة بأن تصادف قيادة الجماعة المسلمة فِي أي جيل.. فيحسن الانتفاع فيها بتجربة بني إسرائيل.