.وحين نقرأ القرآن بهذا الوعي سنجد عنده ما نريد. وسنجد فيه عجائب لا تخطر على البال الساهي! سنجد كلماته وعباراته وتوجيهاته حية تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق ؛ وتقول لنا: هذا فافعلوه وهذا لا تفعلوه. وتقول لنا: هذا عدو لكم وهذا صديق. وتقول لنا: كذا فاتخذوا من الحيطة وكذا فاتخذوا من العدة. وتقول لنا حديثاً طويلاً مفصلاً دقيقاً فِي كل ما يعرض لنا من الشؤون.. وسنجد عندئذ فِي القرآن متاعاً وحياة ؛ وسندرك معنى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} فهي دعوة للحياة.. للحياة الدائمة المتجددة. لا لحياة تاريخية محدودة فِي صفحة عابرة من صفحات التاريخ.
هذا الدرس يعرض تجربتين من تجارب الأمم ؛ يضمهما إلى ذخيرة هذه الأمة من التجارب ؛ ويعد بهما الجماعة المسلمة لما هي معرضة له فِي حياتها من المواقف ؛ بسبب قيامها بدورها الكبير ، بوصفها وارثة العقيدة الإيمانية ، ووارثة التجارب فِي هذا الحقل الخصيب.
والأولى تجربة لا يذكر القرآن أصحابها ؛ ويعرضها فِي اختصار كامل ، ولكنه واف. فهي تجربة جماعة {خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} .. فلم ينفعهم الخروج والفرار والحذر ؛ وأدركهم قدر الله الذي خرجوا حذراً منه.. فقال لهم الله: {موتوا} .. {ثم أحياهم} .. لم ينفعهم الجهد فِي اتقاء الموت ، ولم يبذلوا جهداً فِي استرجاع الحياة. وإنما هو قدر الله فِي الحالين.
وفي ظل هذه التجربة يتجه إلى الذين آمنوا يحرضهم على القتال ، وعلى الإنفاق فِي سبيل الله ، واهب الحياة. وواهب المال. والقادر على قبض الحياة وقبض المال.