أي: قاتلوا في سبيل الله كي تنالوا الشهادة، فهو العليم بمن
يقتل في سبيله، السميع لقول القائلين فيهم: إنهم أموات، وقد نهوا عن ذلك إثباتًا
لحكمه وتحقيقًا لوعده إياهم.
قوله - جلَّ جلالُه -: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ...(245)
لما كان الجهاد عدته وعمدته إنفاق الكريمتين: النفس والمال،
نظمه بذكر مجاوره، وأتبع ذلك مما هو في معناه: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) وما توجه
من القرض إلى معنى الإنفاق فالقبض والبسط في ذلك معهود، كقوله جلَّ قوله:
(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) .
والمتوجه منه إلى بغي الجهاد والقتال، فتقديره والله أعلم: قاتلوا في سبيل اللَّه،
والله يقبض يد العدو ويبسط أيديكم عليهم بقبض بلادهم وأرزاقهم، وتزادون عليهم
في ذلك، فحضَّ - جلَّ جلالُه - على الإنفاق على وجوهه، ولزوم التفويض لله والتوكل عليه،
بمعنى: إنه ليس يموت أحد إلا بأجله، ولا فقره وعدم حاله عن كثرة إنفاق، ولا
حياة النفوس وغناها بالمال عن قلة الإنفاق وعدم القتال(وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ).
أعقب ذلك بمعنى ما هو في معنى ما تقدم، قوله جل قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ(246)
الملأ: كبار الناس أصحاب المشورة والرأي(مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ
قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)القصة إلى آخرها.
هذا ضرب مثلاً في معنى ما تقدم، وانتظم معنى هذا وهذا بمعنى ما في قوله
جلَّ قوله: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا)
فمن بخل عن الإنفاق في سبيل الله حينًا وحين عن قتال العدو،
خلفه العدو في داره، وأخرجه من أهله وماله.
وفي امتثال طاعة الله جلَّ ذكره بالجهاد غنى الدنيا والآخرة، ولهذا وما هو أعرق