ويعجبني فِي هذا ما قاله الإمام أبو محمد: عبد الحق ، ابن عطية حيث قال: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة ، من بقايا الأنبياء وآثارهم ، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك ، وتأنس ، وتقوى1.
وكذلك: ذكروا فِي مجيء التابوت أقوالا متضاربة ، يرد بعضها بعضًا ، مما يدل على أن مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل ، وابتداعهم ، وأنه ليس فيه نقل يعتدُّ به.
فروى عن ابن عباس أنه قال: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض ، حتى وضعته بين يدي طالوت ، والناس ينظرون ، وعن السدي: أصبح التابوت فِي دار طالوت ، فآمنوا بنبوة شمعون وأطاعوا طالوت ، وقال الحسن: كان التابوت مع الملائكة فِي السماء2 ، فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة ، ووضعته بينهم ، وقال قتادة: بل كان التابوت فِي التيه ، خلفه موسى عند يوشع بن نون ، فبقي هناك حتى حملته الملائكة ، ووضعته فِي دار طالوت ، فأقروا بمكة.
وذكر غيرهم: أن التابوت كان بأريحاء ، وكان الذين استولوا عليه وضعوه فِي بيت آلهتهم: تحت صنمهم الأكبر ، فأصبح التابوت على رأس الصنم ، فأنزلوه ، فوضعوه تحته ، فأصبح كذلك ، فسمروه تحته ، فأصبح الصنم مكسور القوائم ، مُلقىً بعيدًا ، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به ، فأخرجوا التابوت من بلدهم فوضعوه فِي بعض القرى ، فأصاب أهلها أمراض فِي رقابهم ، وقيل: جعلوه فِي مخرأة3 قوم لهم ، فكان كل من تبرز هناك أصيب بالناسور وقيل: بالباسور ، فتحيروا فِي الأمر ، فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل ، من أولاد الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم ، فأخرجوه عنكم ، فأتوا بعجلة ، بإشارة تلك المرأة ، وحملوا عليها التابوت ، ثم علقوها على ثورين ، وضربوا جنوبهما ، فأقبل الثوران يسيران ، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما ، فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل ، فكسرا نيريهما4 ، وقطعا حبالهما ، ووضعا التابوت فِي أرض فيها حصاد بني إسرائيل ، ورجعا إلى
1 تفسير القرطبي ج3 ص 249.
2 هذا مع أنهم رووا كما سلف أنه لما عصوا وأفسدوا غلبتهم عليه العمالقة.
3 مكان تغوطهم.
4 النير ما يوضع على رقبة الثور عند الحرث ، والجر.