ولما كان ذلك حقًّا لها، وهو واجب على الورثة أن يوفروه، فليس واجبًا عليها، فلها أن تبقى ولها أن تخرج؛ ولذا قال تعالى: (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جنَاحَ عَلَيْكمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ) أى فإن خرجن مختارات راضيات راغبات غير مخرجات، فلا إثم عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف، أي فيما فعلن من أمور تتعلق بانفسهن؛ أي أن البقاء في مسكن الزوجية وعدم البقاء أمر يتعلق بأنفسهن وهن أدرى بمصلحة أنفسهن، في ذلك؛ فإن وجدت مصلحتها وراحتها واطمئنانها وقرارها في أن تنتفع بحق البقاء سنة كاملة بعد وفاة زوجها فإنها تبقى، ويجب أن تمكن من ذلك، ولا يخرجها أحد؛ وإن رأت أن مصلحتها في أن تأوي إلى بيت ذويها، أو عرض لها أن تتزوج بعد انتهاء عدتها وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن لها ذلك.
وقد قيد نفي الإثم عن الجماعة فيما يفعلن في أنفسهن بكلمة (من معروف) ؛ وهو الأمر الذي تقره الشرائع، وتعرفه العقول ولا يستنكر من أحد؛ قيد نفي الإثم بذلك؛ للإشارة إلى أن الجماعة الإسلامية مسئولة عما يقع من آحادها مخالفًا للمعروف في الشرع والعقل، فمن يأثم فعلى الجماعة أن تعمل على إصلاحه، ولا ينتفى عنها الإثم حتى تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفسر بعض العلماء المعروف بأنه الزواج بعد انتهاء العدة، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام؛ والحق أن المعروف أعم من ذلك.
(وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ذيل الله سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة بهذا للإشارة إلى ثلاثة أمور:
أولها: أن هذه الأمور التي شرعها الله في الأسرة إنما هي بحكمته، وفيها صلاح المجتمع، وإذا كان يسوغ أن تجبر المرأة على الخروج من منزل الزوجية بمجرد وفاة الزوج، فإن ذلك قد يؤدي إلى فساد كبير، وتهزيع للأخلاق؛ ولقد أعطاها الله سبحانه وتعالى ذلك الحق درءا لهذا الفساد ومنعًا له.
وثانيها: إن الله سبحانه وتعالى غالب على كل شيء، وله سبحانه وتعالى العزة في السماوات وفي الأرض، وأن الورثة إن استضعفوا شأن المرأة فمنعوها حقها فالله فوقهم قاهر غالب، وهو مجازيهم بعملهم، وهو ناصر الضعيف.