وقد بينت الآيات السابقة ما للمطلقة من حقوف أوجبها العقد نفسه؛ فنصف المهو أو المتعة عند الطلاق قبل المسيس وقبل تسمية المهر أمران أوجبهما العقد نفسه؛ لأن العقد الصحيح يوجب مهرًا على أي صورة كان المهر.
وهاتان الآيتان اللتان سنتكلم في معناهما تبينان ما يجب ليكون الانتهاء من غير قطيعة، ولتكون المودة موصولة بعد انتهاء عقدة النكاح؛ والوجوب فيهما لا يشتق من ذات العقد، ولكنه يترتب على انتهاء العقد، وتوجبه الأخلاق الكريمة. والآية الأولى تبين ذلك النوع من الحقوق الذي يجب للمتوفى عنها زوجها، والثانية تبين مايجب للمطلقة على أنه أثر للطلاق نفسه، لَا على أنه من مقتضى عقد الزواج، كنصف المهر، أو المتعة السابقة.
(وَالَّذينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجِ) والمعنى الجملي للآية الكريمة - فيما يظهر ويبدو بادي الرأي - أن الذين
يتوفون ويذرون أي يتركون أزواجًا، والمراد الزوجات؛ لأن كلمة الزوج تطلق على الذكر والأنثى - فرض الله وصية لهؤلاء الزوجات متاعًا أي انتفاعًا مستمرًا إلى نهاية الحول، أي حتى يحول الزمن ويجيء الوقت الذي مات زوجها فإيه (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) أي ينتفعن بالإقامة في مسكنهن الذي كن يسكن فيه في حياة أزواجهن من غير إخراج منه؛ ويصح أن يقال غير مُخْرَجَاتٍ منه، فيكون المصدر على معنى اسم المفعول؛ والمؤدى واحد.
وهنا بعض مباحث لفظية نشير إليها:
أولها: كلمة"وصية"فيها قراءتان مشهورتان؛ إحداهما بالفتح، والثانية بالضم؛ وعلى قراءة الفتح يكون تقدير القول: كتب الله وصيةً متاعًا إلى الحول غير إخراج. وعلى قراءة الضم يكون تقدير القول: عليهم وصيةٌ لأزواجهم حال كون هذه الوصية متاعًا إلى الحول غير إخراج، أو لأجل الانتفاع إلى الحول غير إخراج.
ثانيها: إنه عبر بحول بدل سنة؛ للدلالة على التحول حتى تعود الأيام التي كانت فيها الوفاة، ولو قيل إلى السنة مثلا لاحتمل أن ينتهي الانتفاع بالسكن بانتهاء السنة التي حصلت فيها الوفاة، ولو لم يحل الحول، فكان التعبير السامي بالحول نصًا في أن يمر عام كامل من وقت الوفاة.