وقد يقول قائل: إن الصلاة إذا كان ذلك لب معناها فلماذا كانت تلك الحركات؛ وألا يغني فيها الاتجاه القلبي، وحصر الذهن والنفس لله، وفي ذلك عمران القلب بذكر الله وامتلاء النفس بهيبته؛ قد يقول قائل ذلك، وقد قاله بعض المقلدين الفرنجة، واتبعوا من زعموا أن ذلك طريق الإصلاح الخلقي. وقد يكون ذلك القول مجديًا لو كان يمكن تحقق معناه من غير تلك الحركات، ومن غير هذه الأقوال التي تشتمل عليها الصلاة إن هذه الحركات معين لاستذكار القلب، وامتلاء الفكر بعظمة الله سبحانه وتعالى، والأقوال التي تقال في الصلاة هي لهذا الاستحضار؛ فـ (الله أكبر) التي تتكرر عند الانتقال من حال إلى حال هي في معناها لملء النفس بعظمة الله، والآيات التي تتلى هي حمد لله وثناء على الله سبحانه وتعالى وشعور بالربوبية وسلطان الله سبحانه مالك يوم الدين، ودعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم، وتجنب طريق الضالين؛ والحركات هي مظاهر الطاعة والخضوع، والقيام بحق الربوبية. . وهكذا كل قول وفعل في الصلاة إنما هو لتوجيه القلب نحو الملكوت الأعلى، وذكر الله العلي القدير، اللطيف الخبير.
ولا يمكن استحضار القلب لذكر الله بغيرها؛ بل إنها تكون ثمرة ذلك الاستحضار؛ فإن القلب إذا شعر بعظمة الله نطق اللسان بها وتطامنت الرأس خضوعا، وخر الإنسان ساجدًا صاغرًا لله رب العالمين.
(فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) أي إذا زال الخوف، وأقبل الأمن، فأقيموا الصلاة مستوفية لكل الأركان، أي تأتون بحركاتها كاملة؛ وذلك في معنى قوله تعالى بعد بيان صلاة الخوف: (فَإِذَا اطْمَأنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كتَابًا مَّوْقُوتًا) .