ولقد كانت النشأة الأولى للجماعة المسلمة فِي مكة لا تسمح فِي أول الأمر بالانفصال الاجتماعي الكامل الحاسم ، كالانفصال الشعوري الاعتقادي الذي تم فِي نفوس المسلمين ، لأن الأوضاع الاجتماعية تحتاج إلى زمن وإلى تنظيمات متريثة. فلما أن أراد الله للجماعة المسلمة أن تستقل فِي المدينة ، وتتميز شخصيتها الاجتماعية كما تميزت شخصيتها الاعتقادية. بدأ التنظيم الجديد يأخذ طريقه ، ونزلت هذه الآية. نزلت تحرم إنشاء أي نكاح جديد بين المسلمين والمشركين - فأما ما كان قائماً بالفعل من الزيجات فقد ظل إلى السنة السادسة للهجرة حين نزلت فِي الحديبية آية سورة الممتحنة: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن. الله أعلم بإيمانهن. فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار. لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} {ولا تمسكوا بعصم الكوافر...} فانتهت آخر الارتباطات بين هؤلاء وهؤلاء.
لقد بات حراماً أن ينكح المسلم مشركة. وأن ينكح المشرك مسلمة. حرام أن يربط الزواج بين قلبين لا يجتمعان على عقيدة. إنه فِي هذه الحالة رباط زائف واه ضعيف. إنهما لا يلتقيان فِي الله ، ولا تقوم على منهجه عقدة الحياة. والله الذي كرم الإنسان ورفعه على الحيوان يريد لهذه الصلة ألا تكون ميلاً حيوانياً ، ولا اندفاعاً شهوانياً. إنما يريد أن يرفعها حتى يصلها بالله فِي علاه ؛ ويربط بينها وبين مشيئته ومنهجه فِي نمو الحياة وطهارة الحياة.
ومن هنا جاء ذلك النص الحاسم الجازم:
{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ..
فإذا آمنّ فقد زالت العقبة الفاصلة ؛ وقد التقى القلبان فِي الله ؛ وسلمت الآصرة الإنسانية بين الاثنين مما كان يعّوقها ويفسدها. سلمت تلك الآصرة ، وقويت بتلك العقدة الجديدة: عقدة العقيدة.
{ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} ..
فهذا الإعجاب المستمد من الغريزة وحدها ، لا تشترك فيه مشاعر الإنسان العليا ، ولا يرتفع عن حكم الجوارح والحواس.