قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَقُولُ: أَقَامَ فُلَانٌ بِمَكَانِ كَذَا حَوْلَيْنِ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرَيْنٍ، وَإِنَّمَا أَقَامَ بِهِ يَوْمًا وَبَعْضَ آخَرَ أَوْ شَهْرًا وَبَعْضَ آخَرَ، أَوْ حَوْلًا وَبَعْضَ آخَرَ فَقِيلَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِيَعْرِفَ سَامِعُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ أُرِيدَ بِهِ حَوْلَانِ تَامَّانِ، لَا حَوْلٌ وَبَعْضُ آخَرَ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَعَجِّلَ إِنَّمَا يَتَعَجَّلُ فِي يَوْمٍ وَنِصْفٍ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ تَامٌّ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْأَوْقَاتِ خَاصَّةً، فَتَقُولُ: الْيَوْمُ يَوْمَانِ مُنْذُ لَمْ أَرَهُ، وَإِنَّمَا تَعْنِي بِذَلِكَ يَوْمًا وَبَعْضَ آخَرَ، وَقَدْ تُوقِعُ الْفِعْلَ الَّذِي تَفْعَلُهُ فِي السَّاعَةِ أَوِ اللَّحْظَةِ عَلَى الْعَامِ وَالزَّمَانِ وَالْيَوْمِ، فَتَقُولُ زُرْتُهُ عَامَ كَذَا، وَقَتَلَ فُلَانٌ فُلَانًا زَمَانَ صِفِّينَ، وَإِنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ بِذَلِكَ الْخَبَرَ عَنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ، وَالسِّنِينَ، وَإِنَّمَا تَعْنِي بِذَلِكَ الْأَخْبَارَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمُخْبَرُ عَنْهُ، فَجَازَ أَنْ يَنْطِقَ بِالْحَوْلَيْنِ، وَالْيَوْمَيْنِ عَلَى مَا وَصَفْتُ قَبْلُ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ: فَعَلْتُهُ إِذْ ذَاكَ، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} لَمَّا جَازَ الرَّضَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ وَلَيْسَا بِالْحَوْلَيْنِ، فَكَانَ الْكَلَامُ لَوْ أَطْلَقَ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ تَضْمِينِ الْحَوْلَيْنِ بِالْكَمَالِ،
وَقِيلَ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ} مُحْتَمَلًا أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ حَوْلٌ وَبَعْضُ آخَرَ نَفْي اللَّبْسِ عَنْ سَامِعِيهِ بِقَوْلِهِ: {كَامِلَيْنِ} أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ حَوْلٌ وَبَعْضُ آخَرَ، وَأَبَيْنَ بِقَوْلِهِ: {كَامِلَيْنِ} عَنْ وَقْتِ تَمَامِ حَدِّ الرَّضَاعِ، وَأَنَّهُ تَمَامُ الْحَوْلَيْنِ بِانْقِضَائِهِمَا دُونَ انْقِضَاءِ أَحَدِهِمَا وَبَعْضِ الْآخَرِ،