وَأَمَّا قَوْلُهُ (إنَّ مَنْ أَزَالَ الْحَدَّ عَنْ الْمُعَرِّضِ بِالْقَذْفِ فَإِنَّمَا أَزَالَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِتَعْرِيضِهِ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَذْفَ لِاحْتِمَالِ كَلَامِهِ لِغَيْرِهِ) فَإِنَّهَا وَكَالَةٌ لَمْ تَثْبُتْ عَنْ الْخَصْمِ وَقَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ بِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مُتَعَلِّقٌ بِإِرَادَتِهِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ عِنْدَ خُصُومِهِ بِالْإِفْصَاحِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَاَلَّذِي يُحِيلُ بِهِ خَصْمُهُ مِنْ أَنَّهُ أَزَالَ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مُرَادَهُ ، وَلَا يَقْبَلُونَهُ وَلَا يَعْتَمِدُونَهُ.
وَأَمَّا إلْزَامُهُ خَصْمَهُ أَنْ يُبِيحَ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ كَمَا يُبِيحُ التَّعْرِيضَ بِالنِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ كَلَامُ رَجُلٍ غَيْرِ مُتَثَبِّتٍ فِيمَا يَقُولُهُ وَلَا نَاظِرٍ فِي عَاقِبَةِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ حُكْمُ إلْزَامِهِ لَهُ ، فَنَقُولُ: إنَّ خَصْمَهُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ لَمْ يَجْعَلْ مَا ذَكَرَهُ عِلَّةً لِلْإِبَاحَةِ حَتَّى يَلْزَمَ عَلَيْهِ إبَاحَةُ التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى إيجَابِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّعْرِيضِ وَالتَّصْرِيحِ ، فَأَمَّا الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ فَمَوْقُوفَانِ عَلَى دَلَالَتِهِمَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.