ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
أي: وتلك الأحكام المذكورة عن الطلاق وعن غيره مما كلف الله به عباده يبينها ويوضحها بتلك الطرق الحكيمة لقوم يعلمون الحق، ويعملون بمقتضى علمهم.
وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أنه لا يحل للمرأة التي طلقت من زوجها أن تعود إليه بعد الطلقة الثالثة إلا بعد أن تتزوج آخر زواجا صحيحا يدخل بها فيه ويجامعها ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه.
ومن حكم هذا التشريع الحكيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق زوجاتهم، وزجرهم عن التساهل في إيقاع الطلاق، فإن الرجل الشريف الطبع، العزيز النفس إذا علم أن زوجته لن تحل له بعد الطلقة الثالثة إلا إذا افترشها شخص آخر توقف عن إيقاع الطلاق، وتباعد عن التسرع والاندفاع وحاول أن يصلح ما بينه وبين أهله بالمعالجة الحكيمة التي تتميز بسعة الصدر وضبط النفس.
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير سبعة أحاديث في النهي عن نكاح المحلل - وهو أن يعقد رجل على امرأة قد طلقت ثلاثا من زوجها بقصد إحلالها لهذا الزوج لا بقصد الزواج الدائم ثم يدخل بها دخولا صوريا وليس شرعيا - ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود قال: لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله».
وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «ألا أخبركم بالتيس المستعار» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له».
وعن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سئل عن نكاح المحلل فقال: لا إلا نكاح رغبة - لا نكاح دلسة أي لا نكاح غش وتدليس - ولا استهزاء بكتاب الله - ثم يذوق عسيلتها .. ».
وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه - أي من غير مشورة ورغبة منه - ليحلها لأخيه فهل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة.
كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.