وينبغي أن يعلم أن القَرْءَ في الأصل الوقت يقال هبت الرياح لقَرئها ولقارئها أي لوقتها فيقال للحيض قَرء وللطهر قَرء لأن كل واحد منهما له وقت معلوم، وقد أطلقته العرب تارة على الطهر وتارة على الحيض.
وقال قوم مأخوذ من قرأَ الماء في الحوض وهو جمعه، ومنه (القرآن) لاجتماع المعاني فيه.
والحاصل أن القَرْءَ في لغة العرب مشترك بين الحيض والطهر، ولأجل ذلك الاشتراك اختلف أهل العلم في تعيين ما هو المراد بالقروء المذكورة في الآية فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدى وأحمد بن حنبل، وقال أهل الحجاز: هي الإظهار، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي.
واعلم أنه قد وقع الاتفاق بينهم على أن القَرْءَ الوقت فصار معنى الآية عند الجميع والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، فهي على هذا مفسرة في العدد مجملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها فأهل القول الأول استدلوا على أن المراد في هذه الآية الحيض بقوله - صلى الله عليه وسلم -"دعي الصلاة أيام"
إقرائك"وبقوله - صلى الله عليه وسلم -:"طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان"وبأن المقصود من العدة استبراء الرحم وهو يحصل بالحيض لا بالطهر."
واستدل أهل القول الثاني بقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر"مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"وذلك لأن زمن الطهر هو الذي تطلق فيه النساء.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحداً من فقهائنا إلا يقول بأن الإقراء هو الإطهار فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة ولو لحظة ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة خرجت من العدة انتهى.