وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عبد الله بن شريك العامري، قال: سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:"سئل عن رجل طلق ابنة عم له، ثم رغب فيها وندم، فأراد أن يتزوجها رجل يحللها له، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: كلاهما زان، وإن مكث عشرين سنة، أو نحو ذلك، إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحلها له".
وذكر ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"لعن الله المحلل والمحلل له".
وروى الجوزجاني بإسناد جيد عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، فقال: لعن الله الحال والمحلل له".
قال شيخ الإسلام: وهذه الآثار عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم مع أنها نصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره، ولم يتواطآ عليه فهي مبينة أن هذا هو التحليل، وهو المحلل الملعون على لسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فإن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعلم بمراده ومقصوده. لاسيما إذا رووا حديثا وفسروه بما يوافق الظاهر. هذا مع أنه لم يعلم أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فرق بين تحليل وتحليل، ولا رخصوا في شيء من أنواعه، مع أن المطلقة ثلاثاً مثل امرأة رفاعة القرظى قد كانت تختلف إليه المدة الطويلة: وإلى خلفائه لتعود إلى زوجها، فيمنعونها من ذلك. ولو كان التحليل جائزاً لدلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك، فإنها لم تكن تعدم من يحللها، لو كان التحليل جائزاً.
قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية قصد بها التحليل وإن لم يشترط في العقد كثير جدا ليس هذا موضع ذكرها، انتهى.
(فصل)
ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى: {فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230] .
والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي لعن المحلل والمحلل له، وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله تعالى: فلم يجعلوه زوجاً وأبطلوا نكاحه، ولعنوه.
وأعجب من هذا قول بعضهم: نحن نحتج بكونه سماه"محللاً"فلولا أنه أثبت الحل لم يكن محللاً.