وقال البقاعي: ولما أمر اللَّه سبحانه بالجود في أمر الرقيق تارة بالنفس، وتارة بالمال، نهاهم عما ينافيه، فقال: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ} أي: إماءكم، ولعله عبر بلفظ الفتوة هزًا لهم إلى معالي الأخلاق، وتخجيلًا من طلب الفتوة من أمة {عَلَى الْبِغَاءِ} أي الزنى لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك، ولما كان الإكراه على الزنى لا يصح إلا عند العفة وكان ذلك نادرًا من أمة {عَلَى الْبِغَاءِ} أي: الزنى لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك، ولما كان الإكراه على هذا الفعل حيث كانت النساء مطلقًا يتعففن عنه مع أنهن مجبولات على حبه، فكيف
إذا لم يمنعهن مانع خوف أو حياء كالإماء؟ فكيف إذا أذن لهن فيه؟، فكيف إذا ألجئن إليه؟ وأشار بصيغة التفعل وذكر الإرادة إلى أن ذلك لا يكون إلا عن عفة بالغة، وزاد في تصوير التقبيح بذكر علة التزام هذا العار في قوله: {لِتَبْتَغُوا} أي تطلبوا طلبًا حثيثًا فيه رغبة قوية بإكراههن على الفعل الفاحش {عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فإن العرض متحقق فيه الزوال والدنيا مشتقة من الدناءة.
ولما نهي سبحانه عن الإكراه رغب الموالي في التوبة عند المخالفة فيه، فقال {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ} دون أن يقول: وإن أكرهن، وعبر بالمضارع إعلامًا بأن يقبل التوبة ممن خالف بعد نزول الآية، وعبر بالاسم العلم في قوله {فَإِنَّ اللَّهَ} إعلامًا بأن الجلال غير مؤيس من الرحمة، ولعله عبر بلفظ {بَعْدِ} إشارة إلى العفو عن الميل إلى ذلك الفعل عند مواقعته إن رجعت إلى الكراهة بعده، فإن النفس لا تملك بغضه حينئذ، فقال {مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} أي: لهن وللموالي يستر ذلك الذنب إن تابوا {رَحِيمٌ} بالتوفيق إلى ما يرضيه.