أما الكيد الذي وصفت به امرأة العزيز وصاحباتها، فهو كيد يعهد في المرأة ولا ينسب إلى غيرها، أو هو كيدهن الذي يتسمن به ويصدر عن خلائقهن وطبائعهن، كما يفهم من الإضافة المتكررة في الآيات الثلاث، ويدل عليه عمل امرأة العزيز فيما غشَّت به زوجها، واحتالت له من مراودة غلامها عن نفسه، ثم من اتهامه بمراودتها وتنصلها من فعلها، وكلها أعمال تتلخص في"الرياء"أو في إظهار غير ما تبطنه، واحتيالها للدس والإخفاء.
والرياء صفة عامة تشاهد في كثير من المستضعفين من الرجال والنساء، وأسبابه الاجتماعية تحدث لكل ضعيف يقهره غيره، فلا يخص المرأة دون الرجل، ولا ينحصر بين فئة من الناس دون فئة، وقد يحدث للحيوان الضعيف ويلجئه إلى المراوغة والملق، وهو لا يتكلف لذلك كما يتكلف الإنسان الذي يفكر فيما يعمل وفيما يقصد إليه.
وينسب رياء المرأة إلى الضرورات التي فرضها عليها في حياتها الاجتماعية أو حياتها البيتية، وقد يظهر فيها على نحو يناسبها حتى يتلبَّس بالبواعث الأنثوية المقصورة عليها، فلا تختص به في أصوله، إذ كانت أصوله من الضعف الذي يشاركها فيه جميع الضعفاء، وإنَّما تختص به؛ لأن بواعثها الأنثوية مقصورة على جنسها.
إلا أن"الرياء"الأنثوي الذي يصح أن يقال فيه: إنه رياء المرأة خاصة إنما يرجع إلى طبيعة في الأنوثة تلزمها في كل مجتمع، ولا تفرضه عليها الآداب والشرائع، ولا يفارقها باختيارها أو بغير اختيارها، بل لعلها هي تأبى أن يفارقها لو وكل إليها الاختيار فيه.
فمن أصول هذا الرياء في تكوين الأنثى أنها مجبولة على التناقض بين شعورها بغريزة حب البقاء، وشعورها بغريزتها النوعية، فهي تتعرض للخطر على الحياة وتفوح بوفاء أنوثتها في وقت واحد، وهي إذ تضع حملها تتألم أشد الألم، وتعاني جزع الخشية على حياتها حين تخامرها وتسري في كيانها غبطة الأم التي أتمت وجودها، وتوجت حياتها الجنسية بأعز ما تصبو إليه وتتمناه، ويستوي كيانها كله على أن تفرح وهي تتألم، وتتألم وهي تفرح، فلا يستقيم شعورها خالصا من النقيضين في أعمق وظائفها التي خلقت لها، ومثل هذا التناقض يلازم عواطفها جميعًا فيما هو دون ذلك من نزعتها وأهوائها.