ثم إنَّ البيان الإلهي يعود فيزيد هذه الحقيقة تأكيدًا، إذ يبرزها فيما يشبه الصياغة المحددة القانونية، فيقول: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } (الحجرات: 13) . قد أسقط قرار اللَّه -عزَّ وجلَّ- فوارق الذكورة والأنوثة واختلاف الأقوام والقبائل وتمايز ما بين الشعوب المتنوعة، عن الاعتبار في ميزان القرب إلى اللَّه أو البعد عنه، بعبارة محددة حاسمة، بعد أن أثبت هذه الحقيقة ذاتها بأساليب متنوعة شتى في الآيات السابقة.
فهل من الممكن بعد هذا، تفسير الأفضلية في قوله -عزَّ وجلَّ-، في آية القوامة {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (النساء: 34) أي: بأفضلية الرجل من حيث إنه رجل على المرأة من
حيث إنها امرأة؟ بل هل يتسنى، حتى مع شيء من التّحمل، الجنوح إلى هذا التفسير الذي تقف منه هذه النصوص القرآنية التي أوردناها، موقف النقيض من النقيض؟!.
فمصدر هذه القوامة لا يتمثل في أفضلية ذات الرجل عند اللَّه على ذات المرأة، وإنما مصدرها الأفضلية المصلحية الآتية من توافق إمكانات الرجل ووظيفته الإنفاقية، مع ما تحتاج إليه الأسرة في مجال الرعاية والسهر على مصالحها الخطيرة. كما أن إسناد مهام رعاية الطفولة المتمثلة في الحضانة والرضاعة وجزء كبير تستقل به المرأة عن الرجل في التربية، ليس مصدره أفضلية ذاتية للمرأة على الرجل، وإنما مصدرها الأفضلية المصلحية ذاتها التي تتجلى في توافق إمكانات المرأة مع هذه المهام.
بل ربَّ رجل أسندت إليه مهامُّ هذه القوامة، وهو من أفسق الناس وأبعدهم عن رضا اللَّه -عزَّ وجلَّ-، ورب امرأة عاشت في ظل هذه القوامة، وهي من أفضل الناس صلاحًا وأسماهم مكانة عند اللَّه.
والذين أدركوا معنى النظام وقيمته في الحياة الإنسانية، ونُشِّئوا في ظلال النظام يعلمون هذه الحقيقة، ويتعاملون مع مؤيداتها في سائر تقلبات الحياة.
وفي إيجاز شديد نقول لهؤلاء: