وإذا كانت الأسرة لَا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين، فلابد أن يشرف على تهذيب الأسرة، ويقوم على تربية ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العتصرين، وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة فوجد الرجل أملك لزمام نفسه، وأقدر على ضبط حسه، ووجده الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه، فجعل له الرياسة؛ ولذا قال سبحانه: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. . .) .
هذه هي الدرجة التي جعلها الإسلام للرجل، وهي درجة تجعل له حقوقا، وتجعل عليه واجبات أكثر، فهي موائمة كل المواءمة لصدر النص الكريم فإذا كان للرجل فضل درجة، فعليه فضل واجب.
ويلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قيد المماثلة بين حقوق المرأة وواجباتها بالمعروف، كما قيدها بما للرجال من درجة تضاعف واجباتهم، والتقييد بالمعروف معناه التقييد بالأمر الذي لَا تستنكره العقول، بل تقره وترضاه، ويتعارفه العقلاء، فلا يطالب الرجل بخدمة البيت كما تطالب بها المرأة.
فعلى المرأة أن تقوم بواجباتها، وتطالب بحقوقها بالنسبة لنفسها ولأولادها في دائرة العقل، والعرف المستمد من قضايا الحق والعدل، وألف العقول والفضلاء؛ لأنه لَا يستقيم أمر الأسرة بغير ذلك التقييد العادل، وذلك التوزيع الحكيم.
ولقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وفى ذلك دلالة على ثلاثة أمور:
أولها - أن تلك المماثلة بين الحقوق والواجبات في الحقوق الزوجية بل في كل شئون الاجتماع الإنساني، هي مقتضى الحكمة الإلهية والعدل الرباني، وإن ذلك أقصى ما تصل إليه المعاملة الإنسانية من سمو.
ثانيها - إن الله سبحانه وتعالى القاهر القادر العزيز هو الذي أعز المرأة بعد ذلها، وأعطاها حقوقها بعد هضمها، وليس لها أن تطلب العزة من غير شرع الله فهو الملجأ والمعاذ لكل ذي حق مهضوم، وقد أعلاها بعد خفض، وكرمها بعد المهانة، فما يسوغ لامرأة مسلمة من بعد أن تتمرد على حكم العزيز الحكيم، وإن حكمته اقترنت بعزته، فما للرجل من درجة هو مقتضى الحكمة، والله بكل شيء محيط.