وقال الراغب: ولَغِيَ بكذا: أي لَهِجَ به لَهَجَ العُصْفُورِ بِلَغَاهُ ، ومنه قيل للكلام الذي تَلْهَجُ به فرقةٌ"لُغَة"؛ لجعلها مشتقةً من لَغِيَ بكذا ، أي: أُولِعَ به ، قوال ابن عيسى - وقد ذكر أن اللَّغوَ ما لا يفيدُ -:"ومنه اللغةُ ؛ لأنَّها عند غيرِ أهلِها لَغْوٌ"، وقد غَلَّطوه فِي ذلك.
قوله: {فِي أَيْمَانِكُمْ} فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أن يتعلَّق بالفعلِ قبله.
الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ المصدرِ قبله ؛ كقولك:"لَغَا فِي يمينه".
الثالث: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حال من اللَّغْوِ ، وتعرفه من حيث المعنى ؛ أنك لو جعلتَه صلةً لموصولٍ ، ووصفْتَ به اللغو ، لصحَّ المعنى ، أي: اللغو الذي فِي أَيْمَانِكُمْ.
وسُمِّي الحَلفُ يَميناً ؛ لأن العرب كانوا إذا تَحَالَفُوا وضع أحدهم يمينه فِي يمين الآخر.
وقيل: لأَنَّه يحفظ الشَّيء كما تحفظ اليد اليمنى الشَّيء.
قوله: {ولكن يُؤَاخِذُكُم} وقعت هنا"َلَكِنْ"بين نقيضين ؛ باعتبار وجود اليمين ؛ لأنَّها لا تَخْلُو: إمَّا ألاَّ يقصدها القلبُ: بل جرتْ على اللسانِ ، وهي اللَّغْوُ ، وإمَّا أن يقصِدَها ، وهي المنعقدةُ.
قوله تعالى: {بِمَا كَسَبَتْ} متعلِّقٌ بالفعلِ قبله ، والباءُ للسببية كما تقدَّم ، و"مَا"يجوزُ فيها ثلاثةُ أوجه:
أظهرها: أنها مصدريةٌ لتُقابل المصدر ، وهو اللَّغو ، أي: لا يؤاخذكم باللغوِ ، ولكن بالكسب.
والثاني: أنها بمعنى"الذي"، ولا بُدَّ من عائدٍ محذوفٍ ، أي: كَسَبَتْهُ ؛ ويرجِّحُ هذا أنها بمعنى"الَّذِي"أكثرُ منها مصدريةً.
والثالثُ: أن تكونَ نكرةً موصوفةً ، والعائدُ أيضاً محذوفٌ ، وهو ضعيفٌ ، وفي هذا الكلام حَذْفٌ ، تقديره: ولكنْ يُؤاخِذكُمْ فِي أَيْمَانِكُمْ بما كَسَبَتْ قلوبُكُمْ ؛ فحذف لدلالةِ ما قبله عليه.