وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلَى تَقَارَبَ مَعَانِي بَعْضِ مَا قَالُوا فِيهِ مِنْ بَعْضٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ أَذًى} قُلْ هُوَ قَذَرٌ
وَقَالَ آخَرُونَ: قُلْ هُوَ دَمٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} فَاعْتَزِلُوا جِمَاعَ النِّسَاءِ، وَنِكَاحَهُنَّ فِي مَحِيضِهِنَّ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ اعْتِزَالُهُ مِنَ الْحَائِضِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْوَاجِبُ عَلَى الرَّجُلِ اعْتِزَالُ جَمِيعِ بَدَنِهَا أَنْ يُبَاشِرَهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِاعْتِزَالِهِ مِنْهُنَّ مَوْضِعَ الْأَذَى، وَذَلِكَ مَوْضِعُ مَخْرَجِ الدَّمِ
عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ:"مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا؟ قَالَتْ: كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ"
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِذَا جَعَلَتِ الْحَائِضُ عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا أَوْ مَا يَكُفُّ الْأَذَى، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاشِرَ جِلْدَهَا زَوْجُهَا»
[وعن] عِكْرِمَة، يَقُولُ: «كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْحَائِضِ لَكَ حَلَالٌ غَيْرَ مَجْرَى الدَّمِ»
وَعِلَّةُ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، قِيَامُ الْحِجَّةِ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ «كَانَ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ وَهُنَّ حِيَضٌ» ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ اعْتِزَالَ جَمِيعِهِنَّ لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلِمَ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} هُوَ اعْتِزَالُ بَعْضِ جَسَدِهَا دُونَ بَعْضٍ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ الْجِمَاعُ الْمُجْمَعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَلَى الزَّوْجِ فِي قُبُلِهَا دُونَ مَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْ جِمَاعِهَا فِي سَائِرِ بَدَنِهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِاعْتِزَالِهِ مِنْهُنَّ فِي حَالِ حَيْضِهِنَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَدُونَهُ مِنْهَا