وعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ارْضَخْ مِنَ الْفَضْلِ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ»
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِقْصَاءِ ذِكْرِهَا الْكِتَابُ.
فَإِذَا كَانَ الَّذِي أَذِنَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِالْفَضْلِ عَنْ حَاجَةِ الْمُتَصَدِّقِ الْفَضْلَ مِنْ ذَلِكَ، هُوَ الْعَفْوُ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ؛ إِذْ كَانَ الْعَفْوُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي الْمَالِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ الزِّيَادَةُ وَالْكَثْرَةُ، وَمَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {حَتَّى عَفَوْا} بِمَعْنَى: زَادُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَدِ وَكَثُرُوا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
وَلَكِنَّا يَعَضُّ السَّيْفُ مِنَّا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ
يَعْنِي بِهِ كَثِيرَاتِ الشُّحُومِ. وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلرَّجُلِ: خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ فُلَانٍ، يُرَادُ بِهِ: مَا فَضَلَ فَصَفَا لَكَ عَنْ جَهْدِهِ بِمَا لَمْ تَجْهَدْهُ. كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الَّذِيَ أَذِنَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ {قُلِ الْعَفْوَ} لِعِبَادِهِ مِنَ النَّفَقَةِ، فَأَذِنَهُمْ بِإِنْفَاقِهِ إِذَا أَرَادُوا إِنْفَاقَهُ هُوَ الَّذِي بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَنْفَقْتَ عَنْ غِنًى» وَأَذِنَهُمْ بِهِ
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَفْوُ هُوَ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ؟