وقال ابن عاشور: وقوله: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} تحريم لتزويج المسلمة من المشرك، فإن كان المشرك محمولًا على ظاهره في لسان الشرع، فالآية لم تتعرض لحكم تزويج المسلمة من الكافر الكتابي، فيكون دليل تحريم ذلك الإجماع؛ وهو إما مستند إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وتواتر بينهم، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية كقوله تعالى: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ، فعلق النهي بالكفر وهو أعم من الشرك وإن كان المراد حينئذ المشركين، وكقوله تعالى هنا: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} كما سنبينه، وقوله: {حَتَّى يُؤْمِنُوا} غاية للنهي، وأُخذ منه أن الكافر إذا أسلمت زوجته يفسخ النكاح بينهما، ثم إذا أسلم هو كان أحق بها ما دامت في العدة، وقوله:
{وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} هو كقوله: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ} ، وأن المراد به المملوك، وليس المراد الحر المشرك وقد تقدم ذلك.
وقوله: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} الإشارة إلى المشركات والمشركين إذ لا وجه لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلاحيته للعود إلى الجميع والواو في {يَدْعُونَ} واو جماعة الرجال ووزنه (يفعون) وغلب فيه المذكر على المؤنث كما هو الشائع والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا لتعليل النهي عن نكاح المشركات وإنكاح المشركين، ومعنى الدعاء إلى النار: الدعاء إلى أسبابها، فإسناد الدعاء إليهم حقيقة عقلية، ولفظ {النَّارِ} مجاز مرسل أطلق على أسباب الدخول إلى النار، فإن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم.