وَمِنْهُمُ (الْجَلَالُ) : إِنَّهَا خَصَّصَتْهَا بِغَيْرِ الْكِتَابِيَّاتِ ، وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ . وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ هِيَ النَّاسِخَةُ لِآيَةِ الْمَائِدَةِ ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا . وَذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ إِلَى التَّأْوِيلِ بِأَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا أَسْلَمْنَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْقَيْدِ الْمَحْذُوفِ; وَلِأَنَّ الْمُشْرِكَاتِ إِذَا أَسْلَمْنَ يَحِلُّ نِكَاحُهُنَّ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ ؟
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمَجُوسِ فَقِيلَ: يَدْخُلُونَ فِي الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ لَا كِتَابَ لَهُمْ ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ ، وَقَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (22: 17) فَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ . وَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوسِ فِي الْجِزْيَةِ وَلَا حَاجَةَ لِلْبَحْثِ فِي ذَلِكَ هُنَا .
أَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْآخَرُونَ عَلَى شِرْكِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (9: 31) وَقَوْلِهِ: (إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) (4: 48) الْآيَةَ فَقَدْ أَجَابُوهُمْ