ثُمَّ بَيَّنَ لَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَّتَهُ عَلَيْنَا وَرَحْمَتَهُ بِنَا بِمَا أَذِنَ لَنَا مِنْ مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى فَقَالَ: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ) أَيْ: أَوْقَعَكُمْ فِي الْعَنَتِ ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَمَا يَصْعُبُ
احْتِمَالُهُ ، بِأَنْ يُكَلِّفَكُمُ الْقِيَامَ بِشُئُونِ الْيَتَامَى وَتَرْبِيَتِهِمْ وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ ، وَلَا يَأْذَنُ لَكُمْ بِمُخَالَطَتِهِمْ وَلَا بِأَكْلِ لُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَعَامِهِمْ ، وَلَكِنَّهُ لِسِعَةِ رَحْمَتِهِ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (22: 78) وَلِذَلِكَ أَبَاحَ لَكُمْ مُخَالَطَةَ الْيَتَامَى عَلَى أَنْ تُعَامِلُوهُمْ مُعَامَلَةَ الْإِخْوَةِ ، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ، وَقَدْ عَفَا عَمَّا جَرَى الْعُرْفُ عَلَى التَّسَامُحِ فِيهِ لِعَدَمِ اسْتِغْنَاءِ الْخُلَطَاءِ عَنْهُ ، وَوَكَلَ ذَلِكَ إِلَى ذِمَّتِكُمْ وَأَمَرَكُمْ بِمُرَاقَبَتِهِ فِيهِ ، وَهُوَ الرَّقِيبُ الْمُهَيْمِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِكُمْ وَلَا مِنْ قَصْدِكُمْ وَنِيَّتِكُمْ . (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَلَوْ شَاءَ إِعْنَاتَكُمْ لَعَزَّ عَلَى غَيْرِهِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ; إِذْ لَا عِزَّةَ تَعْلُو عِزَّتَهُ ، وَلَكِنْ مَضَتْ حِكْمَتُهُ بِأَنْ تَكُونَ شَرِيعَتُهُ جَامِعَةً لِمَصَالِحِ عِبَادِهِ ، جَارِيَةً عَلَى سُنَنِ الْفِطْرَةِ الْمُعْتَدِلَةِ الَّتِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهَا .