فكان فيما أوصاه به ربه، تبارك وتعالى، من غير ترجمان ولا واسطة، بأن يصل من قطعه، ويصفح عمن ظلمه، ولا أقطع له ممن كفر به وصد عنه، فكان هو، - صلى الله عليه وسلم - ، بحكم ما بعث له وجبل عليه ووصى به، ملتزما للعفو عمن ظلمه، والوصل لمن قطعه، إلا أن يعلن عليه بالإكراه على ترك ذلك والرجوع إلى حق العدل، والاقتصاص والانتصاف المخالف لسعة وصيته، الموافق لما نقل من أحكام سنن الأولين، فِي مؤاخذتهم وأخذهم بالحق والعدل، إلى جامع شرعته ليوجد فيها نحو مما تقدم من الحق والعدل، وإن قل، ولتفضل شرعته بما اختص هو به، - صلى الله عليه وسلم - ، من البعثة بسعة الرحمة والفضل. والله {يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} . {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} .
فمن القرآن ما أنزل على الوجه الذي بعث له، وجبل عليه ووصى به، نحو قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} . وقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} . وقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} . وقوله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} . وقوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ} .
وأصل معناه فِي مضمون قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} .