فَمَنْ فَعَلَ حِينَئِذٍ ذَلِكَ الَّذِي يُؤَوَّلُ إلَيْهِ فَقَدْ أَثِمَ بِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ لَا بِنَفْسِ الشُّرْبِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الَّذِي يُؤَوَّلُ إلَيْهِ لَمَا كَانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إثْمٌ ؛ فَكَانَ هَذَا مَقْصَدَ الْقَوْلِ عَلَى وَجْهِ الْوَرَعِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ ؛ فَقَبِلَهُ قَوْمٌ فَتَوَرَّعُوا ، وَأَقْدَمَ آخَرُونَ عَلَى الشُّرْبِ حَتَّى حَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى التَّحْرِيمَ ، فَامْتَنَعَ الْكُلُّ ، وَلَوْ أَرَادَ رَبُّك التَّحْرِيمَ لَقَالَ لِعُمَرَ أَوَّلًا مَا قَالَ لَهُ آخِرًا حَتَّى قَالَ: انْتَهَيْنَا.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَرَ مَا فِيهَا مِنْ الْإِثْمِ الْمُوجِبِ لِلِامْتِنَاعِ وَقَرَنَهُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِقْدَامِ فَهِمَ قَوْمٌ مِنْ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ ، وَلَوْ تَدَبَّرُوا قَوْله تَعَالَى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} لَغَلَبَ الْوَرَعُ ؛ فَأَقْدَمَ مَنْ
أَقْدَمَ ، وَتَوَرَّعَ مَنْ تَوَرَّعَ ، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ التَّحْرِيمِ الْبَاحِثَةِ الْكَاشِفَةِ لِتَحْقِيقِهِ ، فَفَهِمَهَا النَّاسُ ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْتَهَيْنَا ، {وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ} .أ هـ
قَوْله تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ}
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَا فَضَلَ عَنْ الْأَهْلِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
الثَّانِي: الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ وَلَا إسْرَافٍ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ.
الثَّالِثُ: مَا سَمَحَتْ بِهِ النَّفْسُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا.