والجود بالنفس أقصى غاية الجود ... وأيضاً كراهتهم للقتال قبل أن فرض لما فيه من الخوف من كثرة الأعداء وإنارة نوائر الفتن ، فبيّن تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه للمصالح التي نذكرها . والكره الكراهة وضع المصدر موضع الوصف مبالغة ، ويجوز أن يكون بمعنى"مفعول"كالخبز بمعنى المخبوز أي هو مكروه لكم . وقرئ بالفتح بمعنى المضموم كالضعف والضعف ، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له أو مشقته عليهم كقوله تعالى {حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً} وقال بعضهم: الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح . {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} فربما كان الشيء شاقاً عليكم فِي الحال وهو سبب للمنافع الجليلة فِي الاستقبال وبالضد ، ولهذا حسن شرب الدواء المر فِي الحال لتوقع حصول الصحة فِي الاستقبال ، وحسن تحمل الأخطار فِي الأسفار لتحصيل الربح فِي المال ، وكذا تحمل المتاعب فِي طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى فِي الدنيا والعقبى .
العلم أوله مر مذاقته ... لكنّ آخره أحلى من العسل
وههنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد فِي الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق ، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين ، وربما يؤدي إلى أن استباحوا بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم . وأما منافع الجهاد فمنها الظفر بالغنائم ، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو . وأما ما يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب فِي الآخرة . وترغيب الناس فِي الإسلام وإعلاء كلمة الله ، وتوطين النفس للفراق عن دار البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل:"عسى"من الله واجب فِي القرآن .