وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ.
أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين نحن نوافقكم على أن القتال في الشهر الحرام كبير، ثم قل لهم أيضا على سبيل التوبيخ إن ما فعلتموه أنتم من صرفكم المسلمين عن طاعة الله وعن الوصول إلى حرمه، ومن شرككم بالله في بيته، ومن إخراجكم لأهله منه أعظم وزرا عند الله من القتال في الشهر الحرام.
فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين بسبب ما وقع من عبد الله بن جحش ومن معه، وتبكيت المشركين على جرائمهم التي أولها يتمثل في قوله تعالى -: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: منع من يريد الإسلام من دخوله، وابتدأ - سبحانه - ببيان صدهم عن سبيله للإشارة إلى أنهم يعاندون الحق في ذاته.
وثانيها قوله: وَكُفْرٌ بِهِ أي: كفر بالله - تعالى - وهو معطوف على ما قبله.
وثالثها قوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وهو معطوف على سبيل الله أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بمنعهم المؤمنين من الحج والاعتمار.
ورابعها قوله: وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أي: وإخراج النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه من مستقرهم حول المسجد الحرام بمكة وهم القائمون بحقوقه، كل ذلك «أكبر» جرما، وأعظم إثما «عند الله» من القتال في الشهر الحرام.
قال الجمل: فقوله «أكبر» خبر عن الثلاثة أعنى: صد وكفر وإخراج وفيه حينئذ احتمالان:
أحدهما: أن يكون خبرا عن المجموع.
وثانيهما: أن يكون خبرا عنها باعتبار كل واحد كما تقول: زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد أي: كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد، وهذا هو الظاهر. والمفضل عليه محذوف أي: أكبر مما فعلته السرية».
ثم أضاف - سبحانه - إلى جرائمهم السابقة جريمة خامسة فقال: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ أي: ما فعله المشركون من إنزال الشدائد بالمؤمنين تارة بإلقاء الشبهات وتارة بالتعذيب ليحملوهم على ترك عقيدتهم أكبر إثما من القتل في الشهر الحرام، لأن الفتنة عن الدين تفضى إلى القتل الكثير في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة.