روي أنه لما نزلت هذه الآية .. كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام .. فعيروهم بالكفر وإخراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام {وَلَا يَزَالُونَ} ؛ أي: ولا يزال المشركون من أهل مكة وغيرهم {يُقَاتِلُونَكُمْ} ؛ أي: يجتهدون في قتالكم أيها المؤمنون {حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} ؛ أي: كي يردوكم عن دينكم الحق، ويعيدوكم إلى دينهم الباطل {إِنِ اسْتَطَاعُوا} ؛ أي: إن أطاقوا وقدروا على ذلك .. يردوكم، ولكن لا يستطيعون ذلك، وهذا استبعاد لاستطاعتهم، وإشارة إلى ثبات المؤمنين على دينهم {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} ؛ أي: ومن يرجع منكم عن دينه الحق إلى دينهم الباطل {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} ؛ أي: فيمت على ردته، ولم يرجع إلى الإِسلام {فَأُولَئِكَ} المصرون على الارتداد إلى حين الموت {حَبِطَتْ} بكسر الباء وقرئ بفتحها، وهي لغة فيه؛ أي: بطلت. {أَعْمَالُهُمْ} الصالحة وردت حسناتهم التي عملوها في حالة الإِسلام {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} فلا اعتداد بها في الدنيا، ولا ثواب عليها في الآخرة، فحبوط الأعمال في الدنيا هو أنه يقتل عند الظفر به، ويقاتل إلى أن يظفر به، ولا يستحق من المسلمين نصرًا ولا ثناءً حسنًا، وتَبِيْنُ زوجته منه، ولا يستحق الميراث من كل أحد، وحبوط أعمالهم في الآخرة أن الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة.
أما لو رجع المرتد إلى الإِسلام: عادت إليه أعماله الصالحة مجردة عن الثواب، فلا يكلف بإعادتها، وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعي، وأما عند أبي حنيفة: فإن الردة تبطل العمل وإن أسلم.
{وَأُولَئِكَ} المصرون {أَصْحَابُ النَّارِ} ؛ أي: ملازموها {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ؛ أي: مقيمون لا يخرجون ولا يموتون.