وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ نَزَلَتْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، حِينَ لَقِيَ الْمُؤْمِنُونَ مَا لَقُوا مِنْ شِدَّةِ الْجَهْدِ، مِنْ خَوْفِ الْأَحْزَابِ، وَشِدَّةِ أَذَى الْبَرْدِ، وَضِيقِ الْعَيْشِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ يَوْمَئِذٍ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ} فَإِنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُونَهُ بِمَعْنَى: وَلَمْ يَأْتِكُمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَا صِلَةٌ وَحَشْوٌ،
وَقَدْ بَيَّنْتُ الْقَوْلَ فِي «مَا» الَّتِي يُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ صِلَةَ «مَا» حُكْمُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: شِبْهَ الَّذِينَ خَلَوْا فَمَضَوْا قَبْلَكُمْ.
وَقَدْ دَلَّلْتُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَنَّ الْمَثَلَ الشِّبْهُ.
وَفِي قَوْلِهِ: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} وَجْهَانِ مِنَ الْقِرَاءَةِ: الرَّفْعُ، وَالنَّصْبُ. وَمَنْ رَفَعَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَحْسُنُ فِي مَوْضِعِهِ «فَعَلَ» أَبْطَلَ عَمَلَ «حَتَّى» فِيهَا؛ لِأَنَّ «حَتَّى» غَيْرُ عَامِلَةٍ فِي «فَعَلَ» ، وَإِنَّمَا تَعْمَلُ فِي «يَفْعَلُ» ، وَإِذَا تَقَدَّمَهَا «فَعَلَ» وَكَانَ الَّذِي بَعْدَهَا «يَفْعَلُ» ، وَهُوَ مِمَّا قَدْ فُعِلَ وَفُرِغَ مِنْهُ، وَكَانَ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْفِعْلِ غَيْرَ مُتَطَاوِلٍ، فَالْفَصِيحُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ حِينَئِذٍ الرَّفْعُ فِي «يَفْعَلُ» وَإِبْطَالُ