إنه سبحانه يعطي المناعة للمؤمنين، والمناعة - كما نعرف - هي أن تنقل للسليم ميكروب المرض بعد إضعافه، وبذلك تأخذ أجهزة جسمه فرصة لأن تنتصر على هذا الميكروب؛ لذلك قال الحق:"ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم". إن الخلاف الجوهري بين المؤمن والكافر، هو أن المؤمن إنما يعمل العمل الصالح وفي نيته أن المكافئ هو الله، وهو يتجه بنية خالصة فِي كل عمل. ويأخذ بأسباب الله فِي العلم لينتفع به غيره من الناس؛ فتكون الفائدة عميمة وعظيمة، وعلى المؤمن أن يكون سباقا إلى الاكتشاف والاختراع ونهضة العالم المسلم، وأن يكون المؤمن العالم منارة تشع بضوء الإيمان أمام الناس، لا أن يترك غيره من الكافرين يصلون إلى المكتشفات العلمية وهو متواكل كسلان.
إن على المؤمن أن يأخذ بأسباب الله فِي الحياة؛ لأن الإسلام هو دين ودنيا، وهو دين العلم والتقدم، ويضمن لمن يعمل بمنهجه سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. وإذا كان المؤمن يستمتع بإنتاج يصنعه الكافر فليعلم أن الكافر إنما أخذ أجره مسخراً ممن عمل له، أما المؤمن فحين يتفوق فِي الصناعة والزراعة والعلم والاكتشاف فهو يأخذ الأجر فِي الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الذي يعطي هنا هو الله. أما عمل الكافر فهو عمل من مسخر كالمطايا وكالجماد والنبات والحيوان المسخر لخدمة الإنسان. وإذا كان الله قد ميز المؤمن على الكافر بالأجر فِي الدنيا وحسن الثواب فِي الآخرة، ألا يليق بالمؤمن أن يسبق الكافر فِي تنمية المجتمع الإسلامي، وأن يكون بعمله منارة هداية لمن حوله؟!
ويقول الحق من بعد ذلك:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (218) . انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ 928 - 934}