ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا طَالَ الْأَمَدُ عَلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ وَبَعُدَ النَّاسُ عَنْ مَبْعَثِ نُورِهَا ، وَيَنْبُوعِ نَمِيرِهَا ، قَسَتِ الْقُلُوبُ ، وَأَظْلَمَتِ الْأَنْفُسُ ، وَغَلَبَتِ الشَّهَوَاتُ ، فَضَعُفَ الْعِلْمُ بِسِرِّ الدَّعْوَةِ ، وَأَهْمَلَتِ الْجَمْعِيَّةُ تَقْوِيمَ الطَّرِيقَةِ ، وَاسْتَعْمَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالدِّينِ نُصُوصَ الدِّينِ فِيمَا يُضَيِّعُ حِكْمَةَ الدِّينِ ، وَيَذْهَبُ بِأَثَرِهِ فِي النَّاسِ ، فَيَقَعُ الِاخْتِلَافُ وَالِاضْطِرَابُ ، وَيَنْقَلِبُ سَبَبُ السَّعَادَةِ الْأُولَى عَامِلًا لِلشَّقَاءِ فِي الْأُخْرَى ، وَذَلِكَ بِاتِّبَاعِ خُطُوَاتِ شَيْطَانِ الرِّئَاسَةِ ، وَالِانْقِيَادِ لِغِوَايَاتِ السِّيَاسَةِ ، فَهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) .
هَذَا طَوْرٌ ثَالِثٌ لِلْجَمْعِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَمَرْحَلَةٌ تَسِيرُ فِيهَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَسِيرَ