الِاسْتِعْدَادُ لِظُهُورِ النُّبُوَّةِ وَقَبُولِ دَعْوَتِهَا مَرْحَلَةٌ مِنَ الْمَرَاحِلِ الَّتِي تَسِيرُ فِيهَا الْجَمْعِيَّةُ الْبَشَرِيَّةُ عِنْدَمَا تَبْلُغُ الْعُقُولُ مَنْزِلَةً مِنَ الْقُوَّةِ وَمَقَامًا مِنَ السُّلْطَةِ ، وَتَبْلُغُ النُّفُوسُ مِنْ قُوَّةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ مَا يُخْشَى مَعَهُ مِنْ ضَلَالِهَا أَنْ يُوقِعَهَا فِي خَبَالِهَا ، عِنْدَمَا تُعَظِّمُ مَطَامِعَ الْعُقُولِ وَالشَّهَوَاتِ ، وَتَتَّسِعُ مَجَالَاتُهَا وَتَبْعُدُ مَطَامِحُهَا ، هُنَالِكَ يُخْشَى عَلَى الْجَمْعِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِهَا أَوْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى بَقِيَّةِ أَرْكَانِهَا ، كَمَا يُخْشَى مَنْ قُوَى الشَّابِّ أَنْ تُهْلِكَهُ عِنْدَمَا تَبْلُغُ الْبِنْيَةُ حَدَّ النُّمُوِّ وَتَبْدُو لَهُ الشَّهَوَاتُ فِي أَجْلَى صُوَرِهَا ، فَكَمَا كَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللهِ أَنْ يَهَبَ الشَّابَّ قُوَّةَ الْعَقْلِ عِنْدَ بُلُوغِ السِّنِّ الَّتِي تَعْظُمُ فِيهَا الشَّهْوَةُ ، وَيَقْوَى فِيهَا الْإِحْسَاسُ بِالْحَاجَةِ إِلَى تَوْفِيرِ الرَّغَائِبِ ، حَتَّى يَقُودَهُ فِي تِلْكَ الْغِمَارِ ، كَذَلِكَ فَعَلَ اللهُ بِالْجَمْعِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ عِنْدَمَا بَلَغَتْ بِمَعَارِفِ أَفْرَادِهَا ذَلِكَ الْحَدَّ الَّذِي ذَكَرْنَا . وَهَبَهَا تِلْكَ الْهِدَايَةَ الْجَدِيدَةَ ، وَأَيَّدَهَا بِالدَّلَائِلِ الَّتِي بَلَغَ مِنْ قُوَّةِ الْعُقُولِ