والقائل المصيب بينهم هو من يقول: تمتعوا من هذه الأمتعة على حسب ما يكفيكم لهذه الليلة ، وخذوا من ذلك زادا لما هو أمامكم من الطريق ، وما أريد منكم فِي وطنكم ، وما تريدونه لمقصدكم.
(رفع الاختلاف بالدين) ولذلك شرع الله سبحانه ما شرعه من الشرائع والقوانين واضعا ذلك على أساس التوحيد ، والاعتقاد والأخلاق والأفعال ، وبعبارة أخرى وضع التشريع مبني على أساس تعليم الناس وتعريفهم ما هو حقيقة أمرهم من مبدئهم إلى معادهم ، وأنهم يجب أن يسلكوا فِي هذه الدنيا حياة تنفعهم فِي غد ، ويعملوا فِي العاجل ما يعيشون به فِي الآجل ، فالتشريع الديني والتقنين الإلهي هو الذي بني على العلم فقط دون غيره ، قال تعالى:"إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"يوسف - 40 ، وقال تعالى فِي هذه الآية المبحوث عنها:"فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه"الآية ، فقارن بعثة الأنبياء بالتبشير والإنذار بإنزال الكتاب المشتمل على الأحكام والشرائع الرافعة لاختلافهم.
ومن هذا الباب قوله تعالى:"وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون"الجاثية - 24 ، فإنهم إنما
كانوا يصرون على قولهم ذلك ، لا لدفع القول بالمعاد فحسب ، بل لأن القول بالمعاد والدعوة إليه كان يستتبع تطبيق الحياة الدنيوية على الحياة بنحو العبودية ، وطاعة قوانين دينية مشتملة على مواد وأحكام تشريعية: من العبادات والمعاملات والسياسات.
وبالجملة القول بالمعاد كان يستلزم التدين بالدين ، واتباع أحكامه فِي الحياة ، ومراقبة البعث والمعاد فِي جميع الأحوال والأعمال ، فردوا ذلك ببناء الحياة الاجتماعية على مجرد الحياة الدنيا من غير نظر إلى ما ورائها.