ثم الأصل: أن الإتيان والانتقال والزوال في الشاهد إنما يكون لخلتين: إما لحاجة بدت، فيحتاج إلى الانتمّال من حال إلى حال، والزوال من مكان إلى مكان ليقضيها. أو لسآمة ووحشة تأخذه، فينتقل من مكان إلى مكان لينفي عن نفسه ذلك. وهذان الوجهان في ذي المكان، واللَّه - تعالى - يتعالى عن المكان، كان ولا مكان فهو على ما كان.
فاللَّه - تعالى - يتعالى عن أن تمسه حاجة أو تأخذه سآمة. فبطل الوصف بالإتيان والمجيء والانتقال من حال إلى حال أو من مكان إلى مكان. وباللَّه التوفيق.
وقيل: إن النص قد ورد بالاستواء والمجيء، وأورد، الخبر بالنزول، والرؤية. ثم قد ورد السمع بأن (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، لزم نفي التشبيه فيما ورد عن ذاته، ولزم الإقرار بما جاء من عنده من غير طلب الكيفية له والتفسير. فالسبيل فيه الإيمان بالتنزيل، والكف عن التفسير. واللَّه أعلم.
وفي الشاهد الإتيان في العرض: ظهوره، وفي الجسم: نقله من مكان إلى مكان، وهو - جل ذكره - جل أن يوصف بجسم أو عرض. كذلك إتيانه لا يشبه إتيان الأجسام والأعراض، ويكون إتيان لا يعرف كيفيته، وكما جاز أن يكون هو مثبتًا بدليل لا يشبهه عرض ولا جسم. واللَّه أعلم.
وقوله: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ(211)
يحتمل وجوها:
يحتمل: أن يكون أمر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، بسؤاله إياهم عما آتاهم من الآيات، على إثر سؤال كان منهم، بطلب الآيات، فقال: سلهم يا مُحَمَّد كم آتيناهم وأجدادهم من الآيات على يدي موسى، فكفروا به، ولم يؤمنوا. فأنتم - وإن آتيناكم آيات - لا تؤمنون أيضًا. يخبر نبيه عليه السلام أن سؤالهم أن كان سؤال تعنت، لا سؤال قبول وتصديق.
واللَّه أعلم.