إن الفعل كما ينسب إلى المباشر له، ينسب إلى ما هو سببه ومسهّله، وعلى هذا يصح أن ينسب فعلٌ واحدٌ تارة إلى الله تعالى وتارة إلى غيره، نحو قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة: 11] ، وفي موضع آخر: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُس} [الزمر: 42] . فأسند الفعل فِي الأول إلى المباشر له، وفي الثاني إلى الآمر به؛ وهكذا، يتصور ما ذكر، تزول الشبهة فيما يرى من الأفعال منسوباً إلى الله تعالى، منفياً عن الله تعالى، نحو قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17] ، وقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] وقوله: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] .
{وَيَسْخَرُونَ} - أي: يهزأون -: {مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ} وهذا كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 29 - 30] [فِي المطبوع: 29 - 36] الآيات: {وَالَّذِينَ اتَّقَواْ} وهم المؤمنون، وإنما ذكروا بعنوان التقوى لحضهم عليها، وإيذاناً بترتب الحكم عليها: {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لأنهم فِي عليين وهم فِي أسفل سافلين، أو لأنهم يتطاولون عليهم فِي الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم فِي الدنيا، كما قال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين: 34 - 35] [فِي المطبوع: 29 - 36] .
ولذا قال الراغب: يحتمل قوله تعالى: {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وجهين:
أحدهما: أن حال المؤمنين فِي الآخرة أعلى من حال الكفار فِي الدنيا.
والثاني أن المؤمنين فِي الآخرة هم فِي الغرفات، والكفار فِي الدرك الأسفل من النار. انتهى.