وليس المراد هنا بالنظر تردد العين؛ لأنَّ المعنى ليس عليه؛ واستدلَّ بعضهم على ذلك بأن النظر بمعنى البصر يتعدَّى بـ"لي"، ويضاف إلى الوجه، وفي الآية الكريمة متعدٍّ بنفسه، وليس مضافاً إلى الوجه، ويعني بإضافته إلى الوجه قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] فيكون بمعنى الانتظار، وهذا ليس بشيء، أما قوله: إن الذي بمعنى البصر يتعدَّى بـ"إلى"فمسلم، وقوله:"وهو هنا متعدٍّ بنفسه"ممنوعٌ، إذ يحتمل أن يكون حرف الجر وهو"إلَى"محذوفاً؛ لأنه يطَّرد حذفه مع"أَنْ"و"أَنَّ"، إذا لم يكن لبسٌ، وأمَّا قوله:"يُضَافُ إلى الوَجْهِ"، فممنوعٌ أيضاً، إذ قد جاء مضافاً للذات؛ قال تعالى: {أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل} [الغاشية: 17] .
والضمير فِي"يَنْظُرُونَ"عائدٌ على المخاطبين بقوله:"زَلَلْتُمْ"فهو التفاتٌ.
قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ} هذا مفعول"يَنْظُرُونَ"وهو استثناءٌ مفرَّغٌ، أي: ما ينظرون إلا إتيان الله.
والمعنى ما ينظرون، يعني التاركون الدخُّول فِي السِّلم.
قوله تعالى:"فِي ظُلَلٍ"فيه أربعة أوجهٍ:
أحدها: أن يتعلَّق بيأتيهم، والمعنى: يأتيهم أمره أو قدرته أو عقابه أو نحو ذلك، أو يكون كنايةً عن الانتقام، إذ الإتيان يمتنع إسناده إلى الله تعالى حقيقةً.
والثاني: أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال، وفي صاحبها وجهان:
أحدهما: هو مفعول يتيهم، أي: فِي حال كونهم مستقرين فِي ظلل، وهذا حقيقة.
والثاني: أنه الله تعالى بالمجاز المتقدِّم، أي: أمر الله فِي حال كونه مستقراً فِي ظلل.
الثالث: أن تكون"فِي"بمعنى الباء، وهو متعلقٌ بالإتيان، أي: إلاَّ أن يأتيهم بظلل؛ ومن مجيء"فِي"بمعنى الباء قوله: [الطويل]