(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ) وَكَانَ مُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ أَنْ يُوصَفَ هَذَا الْفَرِيقُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَعَ عَدَمِ الدَّعْوَى وَالتَّبَجُّحِ بِالْقَوْلِ ، أَوْ مَعَ مُطَابَقَةِ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ ، وَمُوَافَقَةِ لِسَانِهِ لِمَا فِي قَلْبِهِ ، وَالْآيَةُ تَضَمَّنَتْ هَذَا الْوَصْفَ وَإِنْ لَمْ تَنْطِقْ بِهِ . فَإِنَّ مَنْ يَشْرِي ; أَيْ: يَبِيعُ نَفْسَهُ لِلَّهِ ، لَا يَبْغِي ثَمَنًا لَهَا غَيْرَ مَرْضَاتِهِ ، لَا يَتَحَرَّى إِلَّا الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَقَوْلَ الْحَقِّ ، مَعَ الْإِخْلَاصِ فِي الْقَلْبِ ، فَلَا يَتَكَلَّمُ بِلِسَانَيْنِ ، وَلَا يُقَابِلُ النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ ، وَلَا يُؤْثِرُ عَلَى مَا عِنْدَ اللهِ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ كُبَرَائِهَا وَمُتْرَفِيهَا مِنَ الْقُصُورِ ، وَمَتَاعِ الزِّينَةِ وَالْغُرُورِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَعْتَدُّ الْقُرْآنُ بِإِيمَانِهِ . وَأَمَّا الْإِيمَانُ الْقَوْلِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَلَا يَمَسُّ سَوَادَ الْقُلُوبِ ، وَلَا تَظْهَرُ آثَارُهُ فِي الْأَعْمَالِ ، وَلَا يَحْمِلُ صَاحِبُهُ شَيْئًا مِنَ الْحُقُوقِ لِدِينِهِ وَمِلَّتِهِ وَلَا لِقَوْمِهِ وَأُمَّتِهِ ، فَلَا قِيمَةَ لَهُ فِي كِتَابٍ ، وَلَا يُقَامُ لِصَاحِبِهِ وَزْنٌ فِي يَوْمِ اللهِ ، بَلْ يُخْشَى أَنْ يُقَالَ لِذَوِيهِ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (46: 20) .