وَأَنْتَ تَرَى مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ وَمِنْ كَوْنِ التَّقْسِيمِ حَقِيقِيًّا فِي نَفْسِهِ شَارِحًا لِمَا عَلَيْهِ الْبَشَرُ فِي حَيَاتِهِمْ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ مُلْتَئِمًا مَعَهُ فِي السِّيَاقِ أَنَّ الْكَلَامَ عَامٌّ ، وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ لَهُ سَبَبًا خَاصًّا لَا يُنَافِي عُمُومَهُ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ لِلْآيَاتِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَالَا - لَمَّا هَلَكَتْ سَرِيَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ -: يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا ، لَا هُمْ قَعَدُوا فِي أَهْلِيهِمْ ، وَلَا هُمْ أَدَّوْا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَظْهَرَ لَهُ الْإِسْلَامَ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُ ، ثُمَّ خَرَجَ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحُمُرٍ ، فَأَحْرَقَ الزَّرْعَ وَعَقَرَ الْحُمُرَ . فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَتَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُمَا سَبَبًا حَمَلَ الْآيَاتِ عَلَيْهِمَا فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِلَّا فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْآيَاتِ لَيْسَتْ مُطَابَقَةً لِلْحَادِثَتَيْنِ اللَّتَيْنِ إِنْ صَحَّتَا كَانَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ; فَإِنَّ الْأَخْنَسَ مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ .
ثُمَّ ذَكَرَ الْفَرِيقَ الْآخَرَ الْمُقَابِلَ لِمَنْ تَأْخُذُهُ الْعِزَّةُ إِذَا ذُكِّرَ بِاللهِ تَعَالَى فَقَالَ: