وَفِي الْآيَةِ وَجْهٌ آخَرُ ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ أَنَّ الظَّرْفَ (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) مُتَعَلِّقٌ بِالْقَوْلِ قَبْلَهُ ; أَيْ: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ إِذَا تَكَلَّمَ فِي شُئُونِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِهَا ، وَطُرُقِ جَمْعِ الْمَالِ وَإِحْرَازِ الْجَاهِ فِيهَا ; لِأَنَّ حُبَّهَا قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَالْمَيْلَ إِلَى لَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى قَلْبِهِ ، وَصَارَ هُوَ الْمُصَرِّفُ لِشُعُورِهِ وَلُبِّهِ ، فَيَنْطَلِقُ لِسَانُهُ - وَمِثْلُهُ قَلَمُهُ - فِي كُلِّ مَا يَسْتَهْوِي أَصْحَابَ الْجَاهِ وَالْمَالِ ، وَيَسْتَمِيلُ أَهْلَ السِّيَادَةِ وَالسُّلْطَانِ ، وَلَكِنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ فِي أَمْرِ الدِّينِ جَاءَ بِالْخَطَلِ وَالْحَشْوِ ، وَوَقَعَ فِي الْعَسْلَطَةِ وَاللَّغْوِ ، فَلَا يَحْسُنُ وَقْعُ قَوْلِهِ فِي السَّمْعِ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي النَّفْسِ
وَذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْمُتَكَلِّمِ تَتَجَلَّى فِي قَوْلِهِ ، وَضَمِيرِهِ الْمَكْنُونِ يَظْهَرُ فِي لَحْنِهِ (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (47: 30) .
وَفِي الْحِكَمِ: (كُلُّ كَلَامٍ يُبْرِزُ عَلَيْهِ كُسْوَةٌ مِنَ الْقَلْبِ الَّذِي عَنْهُ صَدَرَ) وَلِهَذَا كَانَ إِرْشَادُ الْمُخْلِصِينَ نَافِعًا ، وَخِدَاعُ الْمُنَافِقِينَ صَادِعًا .