{فإذا أفضتم} أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة . التقدير: أفضتم أنفسكم . فترك ذكر المفعول كما ترك فِي قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا . وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل فِي باب الصفة"ثوب أخلاق"و"برمة أعشار"ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟ فقيل: إنه لم يبق علماً بعدما جمع ثم جعل علماً لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها فِي الصرف . وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة فِي نحو"مسلمات"ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين . وأن هذا التنوين تنوين الصرف . قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث فِي نحو"مسلمات وعرفات"ضعيف . فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت ، والباقية علامة لجمع المؤنث ، وزيف بأن عرفات مؤنث . وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثاً تقول"هذه عرفات مباركاً فيها"ولا يجوز"مباركاً فيه"إلا بتأويل بعيد كما فِي قوله"ولا أرض أبقل إبقالها"فتأنيثها لا يقصر عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة .
وقال بعض المتأخرين: الأولى أن يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط فِي نحو"عرفات"لأنه لو سقط لتبعه الكسر فِي السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم ، إذ الكسر فيه متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين فِي غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع . هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج ههنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر كبيت امرئ القيس فِي رواية .
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي