وقبل أن نترك هذا يجب أن نقرر أمرين:
أحدهما: إن كلمة التمتع قد تطلق بمعنى يشمل القِران والتمتع، وهو المراد في هذه الآية الكريمة، وبذلك يمكن التوفيق بين الروايات التي تقول إنه تمتع، والتي تقول إنه قرن؛ والراجح أنه قَرَن.
ثانيهما: إنه روى أن عمر رضي الله عنه قد نهى الناس عن التمتع والقِران، وقد روى ذلك البخاري وغيره؛ ولعله لم يفعل ذلك تحريما لما اعتبره النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاء به القرآن؛ بل فعل من قبيل السياسة العامة؛ لأنه رأى الناس يزدحمون في موسم الحج ويمكثون أمدا طويلا لجمعهم بين العمرة والحج في أشهره، ثم يخلو البيت من الناس طول العام؛ فأمرهم - سياسة لَا دينا - أن يفردوا بالحج ليعتمروا في أثناء العام، ويكون للبيت الحرام أفئدة من الناس تهوي إليه طول العام؛ ولم يوافق عمر أحد على ما رأى. والله أعلم بالصواب.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى التحلل من الإحرام للمتمتع والقارن، فقال: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي يطلب اليسير من النعم وهو الشاة، (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) . هذه هي العبادة التي تحل محل النسك، وهي الصيام، فقاصم العبادة الروحية مقام العبادة المالية؛ لأن كلتيهما تلتقيي عند غاية واحدة، وهي تهذيب النفس وإصلاح المجتمع؛ ولقد جعل الله سبحانه الصيام على مرحلتين:
إحداهما: وهي الأقل - تكون في الحج، وهي ثلاثة أيام؛ وذلك لأن الحج مشقة؛ فلكي يكون سهلا في أدائه على ذوي الفقر جعل أقل الصيام فيه، فلا يجمع بين مشقة الصيام ومشقة الحج، وهو سفر فيه مشقة.
والمرحلة الثانية: وهي الأكثر، بعد العودة إلى أهله حيث يطمئن ويستقر، وتذهب مشقة السفر، فيصوم سبعة أيام.