وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَاسْتِمْدَادِ الْمَعُونَةِ وَالتَّوْفِيقِ مِنْهُ ، لِلْهِدَايَةِ إِلَى مَا يَعْجَزُ الْعَبْدُ عَنْهُ ، وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) بِقَوْلِهِ: أَيِ احْفَظْنَا مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالذُّنُوبِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا ، فَطَلَبُ الْحَيَاةِ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا يَكُونُ بِالْأَخْذِ بِأَسْبَابِهَا الْمُجَرَّبَةِ فِي الْكَسْبِ وَالنِّظَامِ فِي الْمَعِيشَةِ ، وَحُسْنِ مُعَاشَرَةِ النَّاسِ بِآدَابِ الشَّرِيعَةِ وَالْعُرْفِ ، وَقَصْدِ الْخَيْرِ فِي الْأَعْمَالِ كُلِّهَا ، وَتَوَقِّي الشُّرُورِ كُلِّهَا ، وَطَلَبُ الْحَيَاةِ الْحَسَنَةِ فِي الْآخِرَةِ يَكُونُ بِالْإِيمَانِ الْخَالِصِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَطَلَبُ الْوِقَايَةِ مِنَ النَّارِ يَكُونُ بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ وَالشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ ، مَعَ الْقِيَامِ بِالْفَرَائِضِ الْمُحَتَّمَةِ . هَذَا هُوَ الطَّلَبُ بِلِسَانِ الْقَلْبِ وَالْعَمَلِ ، وَأَمَّا الطَّلَبُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ فَهُوَ يَصْدُقُ بِمَا يُذَكِّرُ الْقَلْبَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ مِنَ اللهِ ، فَالسَّعْيُ لَهَا مَعَ الْإِيمَانِ هُوَ عَيْنُ الطَّلَبِ مِنْ فَيْضِهِ وَإِحْسَانِهِ ، مَضَتْ سُنَّتُهُ بِأَنْ يُعْطِيَ بِهَا فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً ، لَا بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ مَحَلَّهَا وَحِكْمَتَهَا غَيْرُهُ ، وَأَنَّهُ لَا يُرْجَعُ إِلَى سِوَاهُ فِي الْهِدَايَةِ إِلَى مَا خَفِيَ وَالْمَعُونَةِ عَلَى مَا عَسُرَ .