مَا تَوَعَّدَ اللهُ بِهِ الْمُجْرِمِينَ فِيهَا فَيَلْجَأُ إِلَيْهِ تَعَالَى بِأَنْ يَقِيَهُ شَرَّهُ ، فَحِرْمَانُ هَذَا الْفَرِيقِ مِنْ خَلَاقِ الْآخِرَةِ هُوَ أَثَرُ كَسْبِهِ وَسُوءِ اخْتِيَارِهِ ، وَتَفْضِيلِهِ حُظُوظَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ عَلَى سَعَادَةِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِلْأُولَى كُلَّ مَا يَسْتَطِيعُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، حَتَّى إِنَّهُ لَا يَسْأَلُ رَبَّهُ إِلَّا الْمَزِيدَ مِنْ حُظُوظِهَا وَشَهَوَاتِهَا . وَقَدْ يَنَالُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِدُونِ هَمٍّ كَبِيرٍ فِي الْعَمَلِ لَهَا ، وَلَا يَعْمَلُ لِلْآخِرَةِ وَقَدِ اشْتُرِطَ لِسَعَادَتِهَا خَيْرَ الْعَمَلِ ، فَقَالَ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (17: 18 ، 19) الْآيَاتُ . وَبِاللهِ مَا أَبْلَغَ حَذْفَ مَفْعُولِ (آتِنَا) فِي هَذَا الْمَقَامِ فَهُوَ مِنْ دَقَائِقِ الْإِيجَازِ الَّتِي تَحَارُ فِيهَا الْأَفْهَامُ ، وَتَعْجَزُ عَنْهَا قَرَائِحُ الْأَنَامِ ، فَإِنَّهُ بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْعُمُومِ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُعْنَى بِهِ أَفْرَادُ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الْمُتَفَاوَتِي الْهِمَمِ الْمُخْتَلِفِي الْأَهْوَاءِ مِنَ
الْحُظُوظِ وَالشَّهَوَاتِ ، حُسْنِهَا وَقَبِيحِهَا ، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا ، كَبِيرِهَا وَخَسِيسِهَا ، وَمَا لَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ مِنْهَا .