وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِفَاضَةِ هُنَا الدَّفْعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ الدَّفْعَ مِنْ عَرَفَاتٍ فِي خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدُ الْوُقُوفِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَفِي الْإِفَاضَةِ مِنْهَا إِلَى مُزْدَلِفَةَ ، وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِمَا يُتَوَقَّعُ أَنْ يَغْفُلُوا عَنْهُ فِيهَا عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مِنْهَا ذَكَرَ الْإِفَاضَةَ مِنْهَا . وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ) يُفِيدُ أَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُرَتَّبَةً عَلَى الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَمُتَأَخِّرَةً عَنْهَا ، فَفِيهِ تَأْكِيدُ إِبْطَالِ تِلْكَ الْعَادَةِ ، وَقَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِامْتِيَازِ فِي الْمَوْقِفِ تَرَفُّعًا عَنِ النَّاسِ إِذْ كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَتَسَاوُونَ فِي الْإِفَاضَةِ ، فَإِنَّ غَيْرَ قُرَيْشٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ أَيْضًا ، فَالْآيَةُ تَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مَعَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْإِفَاضَةِ فِيهَا الدَّفْعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَثَرِ وَأَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَعْنَى ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الْجِنْسُ ، وَقِيلَ: إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِمَا ، وَقَوْلُهُ: (وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ) يُرَادُ بِهِ الِاسْتِغْفَارُ مِمَّا أَحْدَثُوا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ تَغْيِيرِ الْمَنَاسِكِ وَإِدْخَالِ الشِّرْكِ وَأَعْمَالِهِ فِيهَا ، وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِغْفَارٌ مِنَ الضَّلَالِ الَّذِي ذَكَّرَهُمْ بِهِ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا ، وَمِنْ عَامَّةِ الذُّنُوبِ فِي الْحَجِّ