وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: كَانَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ وَبَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَتَأَثَّمُونَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ مِنْ كُلِّ عَمَلٍ حَتَّى كَانُوا يَقْفِلُونَ حَوَانِيتَهُمْ ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الْكَسْبَ طَلَبُ فَضْلٍ مِنَ اللهِ لَا جُنَاحَ فِيهِ مَعَ الْإِخْلَاصِ ، وَقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (مِنْ رَبِّكُمْ) يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْتِغَاءَ الرِّزْقِ مَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّهُ فَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ ، وَيُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ قَالَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِسَائِلٍ: وَهَلْ كُنَّا نَعِيشُ إِلَّا بِالتِّجَارَةِ ؟
أَقُولُ: لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْإِبَاحَةَ رُخْصَةٌ ، وَأَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهَا فِي أَيَّامِ الْحَجِّ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالَهُ إِذَا أُرِيدَ بِأَيَّامِ الْحَجِّ الْأَيَّامَ الَّتِي تُؤَدَّى فِيهَا الْمَنَاسِكُ بِالْفِعْلِ لَا كُلَّ أَيَّامِ شَوَّالٍ وَذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ أَوْ عَشْرَهُ الْأُوَلَ ، وَذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ وَقْتٍ عِبَادَةً لَا تُزَاحِمُهَا فِيهِ عِبَادَةٌ أُخْرَى كَالتَّلْبِيَةِ لِلْحُجَّاجِ وَالتَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ
وَالتَّلْبِيَةُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ ذِكْرُ الْحَجِّ الْخَاصِّ الَّذِي يُكَرَّرُ فِي أَثْنَائِهِ إِلَى انْتِهَاءِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ إِلَى رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، ثُمَّ يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ ، وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي التَّحْدِيدِ .